محمد بن علي الشوكاني

5331

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

تمحقه ، وأن العبد يصاب بذنبه كما يصل إلى الخير ، ويندفع عنه الشر بكسب الخير والتلبس بأسبابه . فإعمال بعض ما ورد في الكتاب والسنة ، وإهمال البعض الآخر ليس كما ينبغي . فإن الكل ثابت عن الله - عز وجل - ، وعن رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - والكل شريعة واضحة ، وطريقة مستقيمة ، والجمع ممكن بما لا إهمال فيه لشيء من الأدلة ، وبيانه أن الله - سبحانه - كما علم أن العبد يكون له من العمر كذا ، أو من الرزق كذا ، أو هو من أهل السعادة أو الشقاوة قد علم أنه إذا وصل رحمه زاد له في الأجل كذا ، أو بسط له من الرزق كذا ، أو صار من أهل السعادة بعد أن كان من أهل الشقاوة ، أو صار من أهل الشقاوة بعد أن كان من أهل السعادة ( 1 ) . وهكذا قد علم ما يقضيه للعبد . كما علم أنه إذا دعاه ، واستغاث به ، والتجأ إليه صرف عنه الشر ، ودفع عنه المكروه . وليس في ذلك خلف ولا مخالفة لسبق العلم ، بل فيه تقيد المسببات بأسبابها ( 2 ) كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب ، وقدر الولد بالوطء وقدر حصول الزرع بالبذر ، فهل يقول عاقل بأن ربط هذه المسببات بأسبابها يقتضي خلاف العلم السابق أو ينافيه بوجه من الوجوه ؟ فلو قال قائل : أنا لا آكل ولا أشرب بل أنتظر القضاء ، فإن قدر الله لي ذلك كان ، وإن لم يقدر لم يكن . أو قال : أنا لا أزرع الزرع ، ولا أغرس الشجر ، بل أنتظر القضاء ، فإن قدر الله ذلك كان ، وإن لم يقدره لم يكن . أو قال : أنا لا أجامع زوجتي أو أمتي ليحصل لي منهما الذرية ، بل إن قدر الله ذلك كان ، وإن لم يقدره لم يكن . لكان هذا مخالفا لما عليه رسل الله ، وما جاءت به كتبه ، وما كان عليه صلحاء الأمة وعلماؤها ، بل يكون مخالفا لما عليه هذا النوع الإنساني [ 3 أ ] من أبينا آدم إلى الآن ، بل مخالفا لما عليه جميع أنواع الحيوانات في البر والبحر ، فكيف ينكر وصول العبد إلى الخير بدعائه أو بعمله الصالح ؟ ! فإن هذا من

--> ( 1 ) تقدم توضيحه . انظر " فتح الباري " ( 11 / 477 ) . ( 2 ) انظر " الجواب الكافي " لابن القيم ( ص 27 ) . " شفاء العليل " ( ص 25 - 26 ) .